عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

114

اللباب في علوم الكتاب

الحال . وقد منع أبو البقاء « 1 » هذا الوجه ، بناء منه على مذهبه في ذلك . وقوله : « وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ » . قال مكّيّ رحمه اللّه : هو ابتداء وخبر في موضع الحال من الضّمير في « خالدين » أو من الضّمير في « عنهم » . فصل في وصف العذاب اعلم أنه تعالى وصف هذا العذاب بثلاثة أمور : أحدها : الخلود ، وهو المكث الطّويل عندنا ، أو المكث الدّائم عند المعتزلة « 2 » . وثانيها : عدم التخفيف ، ومعناه أنّ العذاب في الأوقات كلّها متشابه ؛ لا يكون بعضه أقلّ من بعض . فإن قيل : هذا التّشبيه ممتنع ؛ لوجوه « 3 » : أحدها : أنّه إذا تصوّر حال غيره في شدّة العذاب ، كان ذلك كالتّخفيف عنه . وثانيها : أنّه تعالى يزيد عليهم في أوقات ، ثمّ تنقطع تلك الزّيادة فيكون ذلك تخفيفا . وثالثها : أنه حين يخاطبهم بقوله تعالى : اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ [ المؤمنون : 108 ] لا نشكّ أنّه يزاد عنهم في ذلك الوقت . فالجواب أنّ التفاوت في هذه الأمور قليل ، فالمستغرق في العذاب الشّديد لا ينتبه لهذا القدر القليل من التّفاوت ، وهذه الآية تدلّ على دوام العذاب ، وأبديته ، فإنّ الواقع في [ محنة ] « 4 » عظيمة [ وشدّة ] « 5 » في الدّنيا ، إذا بشّر بالخلاص ، وقيل له : إنّك تخلص من هذه الشّدّة بعد أيّام ، فإنّه يفرح ويسهل عليه موقع هذه المحنة . الصفة الثانية : قوله « وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ » والإنظار : هو التأجيل والتأخير ؛ قال سبحانه فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ [ البقرة : 280 ] والمعنى : أن عذابهم لا يؤجّل ، بل يكون حاضرا متّصلا بعذاب مثله ؛ ووجه اتّصال هذه الآية بها قبلها : أنّه تعالى لمّا حذّر من كتمان الحقّ بين أن أوّل ما يجب إظهاره ولا يجوز كتمانه أمر التوحيد ، ووصل ذلك بذكر البرهان ، وعلّم طريق النّظر ، وهو الفكر في عجائب الصّنع ؛ ليعلم أنّه لا بدّ من فاعل لا يشبهه شيء . ويحتمل أن يكون من النّظر ؛ كقوله : « لا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ » .

--> ( 1 ) ينظر الإملاء لأبي البقاء : 1 / 71 . ( 2 ) ينظر تفسير الرازي : 4 / 1252 . ( 3 ) ينظر تفسير الرازي : 4 / 1252 . ( 4 ) في ب : شدة . ( 5 ) في ب : محنة .